ابن شعبة الحراني

73

تحف العقول عن آل الرسول ( ص )

وفعاله ولكنه إله واحد كما وصف نفسه ، لا يضاده في ذلك أحد ولا يحاجه وأنه خالق كل شئ وأنه أجل من أن يثبت لربوبيته بالإحاطة قلب أو بصر ( 1 ) وإذا أنت عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك في صغر خطرك وقلة مقدرتك وعظم حاجتك إليه أن يفعل مثله في طلب طاعته والرهبة له والشفقة من سخطه ، فإنه لم يأمرك إلا بحسن ولم ينهك إلا عن قبيح . أي بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وزوالها وانتقالها بأهلها وأنبأتك عن الآخرة وما أعد لأهلها فيها . وضربت لك فيهما الأمثال ، إنما مثل من أبصر الدنيا كمثل قوم سفر نبابهم منزل جدب فأموا منزلا خصيبا [ وجنابا مريعا ] فاحتملوا وعثاء الطريق ( 2 ) وفراق الصديق وخشونة السفر في الطعام والمنام ( 3 ) ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم ، فليس يجدون لشئ من ذلك ألما ولا يرون نفقة مغرما ولا شيئا أحب إليهم مما قربهم منزلهم ، ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصب فنبابهم إلى منزل جدب فليس شئ أكره إليهم ولا أهول لديهم من مفارقة ما هم فيه إلى ما يهجمون عليه ( 4 ) ويصيرون إليه . وقرعتك بأنواع الجهالات لئلا تعد نفسك عالما ، فإن ورد عليك شئ تعرفه أكبرت ذلك فإن العالم من عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل ، فعد نفسه بذلك جاهلا فازداد بما عرف من ذلك في طلب العلم اجتهادا ، فما يزال للعلم طالبا وفيه راغبا وله مستفيدا ولأهله خاشعا مهتما وللصمت لازما وللخطأ حاذر ومنه مستحييا ، وإن ورد عليه مالا يعرف لم ينكر ذلك لما قرر به نفسه من الجهالة ، وإن الجاهل من عد نفسه بما جهل من معرفة العلم عالما وبرأيه مكتفيا فما يزال للعلماء مباعدا وعليهم زاريا ولمن خالفه مخطئا ولما لم يعرف من الأمور مضللا ، فإذا ورد عليه من الأمور ما لم يعرفه أنكره وكذب به وقال بجهالته :

--> ( 1 ) كذا . وفى النهج [ من أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر ] وهو الصواب . ( 2 ) الجناب : الناحية . والريع : كثير العشب . ووعثاء الطريق : مشقته . ( 3 ) في النهج [ خشونة السفر وجشوبة المطعم ] والجشوبة بضم الجيم : الغلظ أو كون الطعام بلا أدم . ( 4 ) هجم عليه أي انتهى إليه بغتة .